سورة النساء الصغرى

السورة التي تسمى ب“سورة النساء الصغرى” هي سورة “الطلاق”، وهي سورة مدنية، ويبلغ عدد آياتها ١٢ آية، وترتيبها في المصحف الكريم الخامسة والستون، حيث تقع في الجزء الثامن والعشرين، ونزلت بعد سورة الإنسان.

بدأت السورة الكريمة بأسلوب نداء للنبي عليه الصلاة والسلام “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ”، وتناولت أحكاما تشريعية متعلقة بأحكام الزواج والطلاق بكل أنواعه، كالطلاق السني والطلاق البدعي، وذكر فيها عدة المطلقة، وعدة المطلقة الحامل، وكذا المطلقة البالغة لسن اليأس أو ما يسمى بسن الأمل، وهو انقطاع دائم للخصوبة الإنجابية، قبل نهاية العمر الطبيعي بقليل.


سبب تسمية السورة الكريمة ب”سورة الطلاق”:



إنطلاقا من اسم السورة الكريمة “الطلاق”، يتبين بأنها تعالج شرائع وأحكام الطلاق بكل أنواعه، سواء كان طلاق سني أو بدعي، مع شرح عِدَّةَ المطلقة، بإختلافها من حالة إلى أخرى، وأيضا كيفية التعامل مع المرأة المطلقة، لقوله تعالى: “وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا”
الطلاق السني معناه أن تطلق المرأة وهي طاهرة من غير قربان، أو حاملة حملا غير مستبان، وذلك لإستبعاد الشبهة عليها أي أنها زانية، أما الطلاق البدعي فيعني أن تطلق المرأة وهي في فترة حيض، أو فترة طهر جامعها فيه، ولا يدري هل هي حامل أم لا، ويوجد نوع أخر من الطلاق، لا هو بسني أو بدعي، حيث تطلق المرأة وهي في فترة اليأس، ويسمى بطلاق الصغيرة، ومعناه إنقطاع دائم للخصوبة الإنجابية لدى المرأة قبل نهاية العمر الطبيعي بقليل…



شرح سورة الطلاق:



تضمنت السورة الكريمة مجموعة من الأحكام التشريعية، القيم الإنسانية، وكذا فتاوى إسلامية، حيث حث سبحانه وتعالى على إقامة العدل بين الخلق من ذكر وأنثى.
ومن هنا سنتطرق إلى شرح السورة الكريمة من آية إلى أخرى لإستعاب مجموعة من أحكام الشريعة الإسلامية التي تتعلق بالطلاق والعدة.



الآية ١:



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١).

أمر الله سبحانه وتعالى عباده من الذكور، بالطلاق السني أي أن يطلقوا نساءهم وهم في طهر الذي يحسب لهن في العدة، والذي لا جماع فيه، مع رفضه لطلاق البدعي وهو أن يطلقوا نساءهم في حيض لا يعتددن فيه من قروئهن، وكذا أمره سبحانه بضبط العدة وحفظها، والخوف لمن تعدى أو فات حدود الله، وحث على عدم إخراجهن من بيوتهم، الذي كن فيه قبل الطلاق حتى تنتهي عدتهن، ماخلا أن يأتين بمعصية بينة أي ظاهرة.



من الآية ٢ إلى الآية ٣:



فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣).

بعدما أمر تعالى بالطلاق السني، ونهى عن الطلاق البدعي، وكذا عن من تعدى حدوده، فقد أعطى تعالى للرجل اختيار إن شارفت المرأة على إنتهاء العدة بين أمرين اثنين، وهما إما أن يرجعها ويعاشرها بإحسان، حيث يشهد على ذلك شاهدين عدلين قطعا للنزاع، ودفعا للريبة، وإما أن يفارقها مع أداء حقوقها التي لها فضلا فيه والإكرام.
ثم بين تعالى بأن هذه الأحكام التشريعية لها فضل ومصلحة لكل الخلق من ذكر وأنثى، مع إرشاده إلى تقواه لأنها تفتح سبل المرء، والإفراج عن كل هموم الدنيا، والهدايا إلى الطريق المستقيم، وكذا التوكل عليه في الفرح والشدة.



من الآية ٤ إلى الآية ٦ :



وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا(٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)

ذكره تعالى لمدة العدة للنساء اللاتي انقطع حيضهن لكبر سنهم (حوالي الخامسة والخمسون)، والأخريات اللاتي لم يحضن لصغر سنهم، وهي ثلاث أشهر، وأما الحوامل فلا تنتهي العدة حتى يضعن حملهن بالولادة، وأمره للأزواج أن يسكنوا مطلقاتهم ويعطوهم النفقة لمدة ويعطوهن أجرة الرضاعة، وذلك على قدر استطاعته.

أمر الله عز وجل عباده بطاعته، وأداء فرائضه الدينة، وكذا تجنب نواهيه وكل ما يعصي الله من معاصي، وفي الأية الكريمة أيضا، هنالك إيماء إلى فضيلة التقوى في أمور الدنيا والآخرة، ويعتبر كل هذا مخرجا من كل ضيق.



من الآية ٧ إلى الآية ١١ :



لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١).

بعدما ذكر سبحانه تعالى مقدار العدة لكل أصناف المطلقات، سواء كانوا صغارا، كبارا أو حوامل، أشار إلى مقدار العدة للمطلقة على قدر المستطاع، وتوعد سبحانه تعالى من عصى أوامره، وكذبوا رسله، وسلكوا سبيل ما نهى عنه، فأنذرهم بأن يحل بهم ما حل بالأمم السابقة، الذين كذبوا رسله وسلكوا غير ما شرعه، ثم أخدها العزيز المقتدر، وصارت كأمس الدابر وأصبحت مثلا للأخرين.



الآية ١٢ والأخيرة:



اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢).

ذكره تعالى البديع خلقه، بقدره وسلطانه، بأن الإيمان شرط لقبول الأعمال الصالحة، وأن من يجمع بين الإيمان والعمل الصالح فقد نال تقوى الله، وأصبح من أهل الجنة والأخرة.



من أسباب نزول سورة النساء الصغرى “سورة الطلاق” :



نزلت السورة الكريمة، سورة الطلاق، لشأن من شؤون الأمة الإسلامية، أمة محمد خير خلق الله عليه الصلاة والسلام.
ركزت السورة على قضية من قضايا الأمة الإسلامية وهي قضية الطلاق، حيث تعد من مشاكل الزوجية لدى الأمة.
وغرض هذه السورة هي بيان وتوضيح الأحكام التشريعية من جهة الطلاق، وبيان أيضا عواقب من خالف تلك الأحكام، أي مخالفة حدود الله وأوامره، لقوله تعالى في أول السورة، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١).

يتبين من هذه السورة، بأن الخطاب موجه إلى نبي الأمة الإسلامية، وهو محمد عليه السلام، فما السر إذن من خطابه المباشر إلى النبي وليس إلى المؤمنين جميعا؟
فالسر هنا، هو تعظيمه تعالى لقضية الطلاق، وأكد تأكيدات حيث لا تذكر في الفرائض كالصلاة والصيام والحج، ولأن الطلاق أيضا هي القضية التي فيها منازعة، حيث أن الرجل قد يدخل في ظلم المرأة وإضرار أولادها، وهذا ظلم كبير.
لهذا فقد أعلى الله تعالى من شأن المرأة، ورفع الظلم عنها، وأمره تعالى بطلاقهن بعدتهن، مع التأكيد على إحصاء العدة، عندما وجه الخطاب أيضا للمؤمنين جميعا، حينما قال: “فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ”.

وقد روى قتادة،عن أنس قال: “طلَّق رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- حفصة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقِيلَ له: راجعْها فإنَّها صوامة قوامة، وهي من إحدى أزواجك ونسائك في الجنة”.

ويقال أيضًا: نزلت في عبد الله بن عمر -رضي الله عنه، قال ابنُ عمر: “طلقتُ امرأتي على عهدِ الرسول عليه الصلاة والسلام وهي حائضٌ، فذكر ذلك عمرُ للنبي عليه الصلاة والسلام، فقالَ: مُرْهُ فليُراجعْهَا، ثمَّ ليدعْها حتَّى تطهرَ، ثمَّ تحيضَ حيضةً أخرى، فإذا طهرت فليُطلقْها قبل أن يُجامعَها، أو يُمسكَها، فإنَّها العدةُ التي  أمر اللهُ أنْ يطلق لها النساءُ”



فضل سورة الطلاق:



كل سورة في القرآن الكريم، لها فضل، لهذا فسورة الطلاق أيضا لها فضل عظيم، لأنها تناولت قضية إنسانية، وأحكاما تشريعية حيث تطمئن النفوس عند اتباعها، إنها أحكاما تشريعية وضعت للناس جميعا.

والفضل الكبير لهذه السورة الكريمة، يتجلى في توضيح أحكام الطلاق للمؤمنين أجمعين، لكي يبقوا متبعين سنة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا تشريعه لأوامر تخص العدة المطلقة، بكل أصنافها، سواء الكبيرة أو الصغيرة في السن، وأيضا للمرأة الحامل، والمطلقة التي فاتت سن اليأس.

ويظهر فضل السورة أيضا في ذكره تعالى، البديع خلقه، بقدره وسلطانه، بأن الإيمان شرط لقبول الأعمال الصالحة، وأن من يجمع بين الإيمان والعمل الصالح فقد أنال تقوى الله، وأصبح من أهل الجنة والأخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *