مقتل جورج فلويد خلفيات الحدث

تصاعدت الاحتجاجات هذه الأيام في الولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية مقتل المواطن الأمريكي الإفريقي الأصل جورج فلويد يوم 25 مايو من العام الجاري2020، وقد أثار هذا الحدث سخط الأمريكيين الذين أدانوا هذا الفعل واعتبروه جريمة شنعاء في حق الرجل، وفي حق مشاعر الأمريكيين والعالم عامة، خصوصا وأن فعل القتل هذا صدر من رجل أمن، الذي يفترض أن يكون من حماة الوطن والمواطنين وليس العكس، ربما كان سيكون مقتل فلويد أقل حدة لو أنه صدر عن مواطن عادي، كان يمكن أن يفسر بطرق عدة كتصفية حسابات أو عدا ذلك، لكن أن يصدر الفعل عن رجل أمن وفي شارع عام وبتلك الطريقة التي فيها نوع من التخطيط والدراسة، هذا الأمر يثير حول القضية مجموعة من الشكوك ويطرح مجموعة من التساؤلات، التي تزعزع الثقة في كل ما جرى وانتشر، ليس الثقة في حقيقة ما يحدث، بل الثقة في خلفيات ما يحدث.

لكي نحلل هذا الأمر تحليلا داخليا، وبنوع من الدقة والعمق، كي نتجاوز ما يبدو للعامة واضحا إلى الحقيقة المتوارية خلف الواضح، لابد أن نطرح مجموعة من الأسئلة التي يمكن أن تضعنا في طريق السبب لا النتيجة، بالرغم من أن هذا الطريق قد ينتهي بنا إلى باب مسدود، فمقتل فلويد قد يكون في الحقيقة نتيجة لما يحدث وليس سبب.
 ينبغي أن نطرح بعض الأسئلة مثل: لماذا يصدر هذا الفعل عن شرطي بالذات؟ لماذا يحدث ذلك في شارع عام وأمام المارة دون مراعاة لمشاعرهم؟ لماذا طالت مدة خنق الشرطي لفلويد بركبته مع العلم أنه كان بالإمكان قتله بطريقة أسرع؟

كل هذه الأسئلة إذا أطلنا التأمل فيها، سنجد أنها توحي إلى أمر مخطط له كان ينبغي أن يكون. كل المواطنين الأمريكيين وشعوب العالم كلها، اعتبروا أن هذا الفعل يعارض مسألة الحرية التي تنادي بها أمريكا، ومسألة حقوق الإنسان والديمقراطية التي تتغنى بها. بالإضافة إلى أن هذا الفعل يعبر عن قمة العنصرية التي يعاني منها أصحاب البشرة السوداء، لكن أود أن أكرر وأؤكد على مسألة صدور هذا الفعل من رجل شرطة:

أولا: أن يقوم شرطي بقتل مواطن، فهذا يحمل المسؤولية كاملة للجهاز الحاكم وهذا هو بيت القصيد، وإذا نظرنا جيدا سنجد أن هذا الأمر لا يصب في مصلحة رئيس الدولة بتاتا، بل يؤجج عليه الوضع أكثر، الأمر الآخر الذي يصب في هذا الاتجاه، هو خروج المحتجين إلى الشارع والقيام بمظاهرات وأعمال شغب، وهذا أمر يساعد على التقليل من قيمة رئيس الدولة سواء من طرف الشعب، أو من طرف الدولة العميقة، ولهذه الأخيرة الدور الأكبر كما سنذكر لاحقا، إذن هناك أمران خطيران في هذا الشق: جريمة يرتكبها شرطي، وأعمال تخريب يمارسها الشعب بمبرر العدوان السلطوي، وكلاهما لا يصبان في مصلحة الحكومة.

ثانيا: حينما نرى مشهدا غير مقبول في الشارع، فمن طبيعة الإنسان أن ينقل ويتناقل الخبر، ومع وجود تكنولوجيا متطورة اليوم، أصبح من السهل نقل  ونشر الخبر حول العالم لحظة حدوثه، وهذا بالضبط ما حدث، قد يبدو هذا أمرا عاديا، لكن في الواقع هو غير ذلك، فحينما نشاهد المقطع المصور للشرطي وهو يضع ركبته على عنق فلويد، يظهر الشرطي وكأنه في حالة رضا عما يفعل، إذ لا يعير اعتبارا للشخص الذي يقوم بالتصوير، بل يبدو وكأنه يتعمد إظهار وجهه، أما باقي الشرطة الذي كانوا في عين المكان، فلم يُبدوا أي رد فعل حيال ما قام به الشرطي، كما لم يمنعوا الشخص الذي يصور من تصوير الأحداث، منعوه فقط من الاقتراب، يبدو أن هؤلاء الشرطة تعمدوا إظهار وحشية المشهد، وتعمدوا إظهار كم من العنصرية فيه، كل هذا من أجل تأجيج الرأي العام.
السؤال الذي قد نطرحه هنا: لماذا يعرض هؤلاء أنفسهم للاعتقال بسبب هذا الفعل البشع؟

ثالثا: يسهر المجرم على تنفيذ جريمته بكل سرية، يستدرج الضحية إلى مكان فارغ من الناس، مكان لا يمكن أن تكتشف فيه جريمته، لكن ماذا إذا تم تنفيذ الجريمة في مكان عام وفي وضح النهار، في الحقيقة هذا لا يمكن أن يصدر إلا من شخص مختل، لكن هل تقبل الحكومة أن يشغل شخص مختل منصب أمن الدولة؟ الجواب سيكون بالنفي، إذا هذا الشرطي الذي نفذ جريمة القتل هذه ليس مختلا، بل يتمتع بكامل قواه العقلية، لذلك وكما قلنا لا يمكن أن يؤدي بنفسه إلى التهلكة من أجل لا شيء، من الضروري أن يكون هناك مقابل لهذا الفعل.

رابعا: استمرت مدة تصوير هذه الجريمة دقائق معدودات، وهي مدة طويلة، في حين كان بإمكان أحد الشرطة الموجودين هناك، أن يمنع تصوير ذلك، لكنه اكتفى فقط بالقول عد للوراء، وقد كانت المسافة قريبة جدا بين المصور والشرطي، لدرجة أن الفيديو التقط صوت فلويد، حينما اندفع إلى الخارج قائلا ” لا أستطيع التنفس،I can’t breath “.

الانقلاب المعاصر: انقلاب من داخل مكتب الرئيس  

لقد عرفت الانقلابات عبر العصور، على أنها عملية تهدف إلى الإطاحة بحاكم الدولة قبل انتهاء مدة حكمه، أو ولايته في الحكم، وغالبا ما كانت الانقلابات تنفذ من طرف العسكر، أو الجيش حينما يثور على الحاكم، لذلك نسميه انقلابا عسكريا، وتتبع محاولة الانقلاب فوضى عارمة من الشعب، ومظاهرات وانفلاتات أمنية بالجملة، غالبا ما يكون الانقلاب في بدايته سريا، ثم يعلن إذا تم بنجاح، وبهذا يتم الإطاحة بالرئيس السابق، ويظهر رئيس جديد يفرض نظاما جديدا في الحكم أو يصلح النظام السابق. في هذه الحالة، يظهر شكل الانقلاب واضحا.

لكن الانقلاب بالمعنى المعاصر أصبح له شكل آخر أكثر سلاسة وأكثر منطقية ومطابقة للواقع، وهذا ما تلعب فيه الدولة العميقة الدور البارز، سأسميه “دمقرطة الانقلاب” أي الإطاحة بالحاكم باستعمال الشعب، بمعنى آخر جعل الشعب غير راض بحكم الرئيس. قد يتساءل البعض: ما علاقة هذا بقضية مقتل فلويد؟
إن الدولة العميقة في هذا السياق تعتمد ما يسمى بنظرية اللعب، حيث تجعل من الجميع مجرد خطة بديلة، تستخدم الجميع لغرض محدد، تتجنب الصراع الغير مرغوب فيه، لهذا فعوض القيام بانقلاب بالمعنى القديم، تعمل الدولة العميقة على خلق فتنة تستفز الشعب وتجعله يمد أصابع الاتهام إلى الحكومة، فلأجل خدمة مصلحة عظمى تستخدم الدولة العميقة الشر في أبهي حلله وتجعل من الجميع إجراءا احتياطي.

تبدو نظرية التلاعب هذه بارزة في ما يحدث اليوم في أمريكا، فإذا قمنا بتنزيل هذه النظرية على الأحداث نجد أن رجال الشرطة الذين قتلوا جورج فلويد، اسْتُخدِموا، لينفذوا العملية بالشكل الذي مرت عليه، وذلك كي يتم تصوير الأحداث ونشرها على نطاق واسع، كي يستفز ذلك المواطنين ويخرجوا في تظاهرات بدعوى أن السلطات الأمريكية عنصرية ويحدث التخريب وتسوء الأمور، فيؤدي هذا كله إلى كره الرئيس والدعوة إلى الإطاحة به لأن الشعب غير راض بقراراته، وبالتالي نصل إلى المبتغى، مسار الأحداث واضح من البداية ، تطبيق نظرية العقد بشكل ديمقراطي وعزل الرئيس لأن الشعب غير راض عنه.

هكذا إذن تعمل الدولة على خلق النزاع وفكه، إذ يمكنها أن ترتكب أبشع الجرائم، حتى في حق الصديق والقريب، وتخلق أعظم الفتن حتى تصل إلى هدفها الأسمى، ثم بعد ذلك تغلف كل تلك الجرائم بغلاف القانون.

اقرأ أيضا:
فيروس كورونا: الحاجة إلى كانط
فيروس كورونا مصطنع الاقتصاد بين أمريكا والصين

شاهد أيضاً

خريطة الإدريسي

خريطة الإدريسي محتويات: 1.خريطة الإدريسي:2.إسم الكامل للإدريسي:3.مكان ولادة الإدريسي ووفاته:4 حياة الإدريسي:5.رحلة رسم اول خريطة …

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments